علي بن محمد البغدادي الماوردي

351

أدب الدنيا والدين

فقد أطاعك من يرضيك ظاهره * وقد أجلك من يعصيك مستترا وإن ترك نفسه في زلله ولم يتداركه بعذره وتنصله ولا محاه بتوبته وإنابته راعيت حاله في المتاركة فستجده لا ينفك فيها من أمور ثلاثة أحدها أن يكون قد كف عن سيّئ عمله وأقلع عن سالف زلله فالكف إحدى التوبتين والاقلاع أحد العذرين فكن أنت المعتذر عنه بصفحك والمتنصل له بفضلك . فقد قال عمر بن الخطاب رضي اللّه عنه : المحسن على المسئ أمير . والثاني أن يكون قد وقف على ما أسلف من زلله غير تارك ولا متجاوز فوقوف المرض أحد البرءين وكفه عن الزيادة إحدى الحسنيين « 1 » وقد استبقى بالوقوف عن التجاوز أحد شطريه فعوّل به على صلاح شطره الآخر وإياك وإرجاءه فإن الأرجاء يفسد شطر صلاحه والتلافي يصلح شطر فساده فإن من سقم من جسمه ما لم يعالجه سرى السقم إلى صحته وإن عالجه سرت الصحة إلى سقمه . والثالث أن يتجاوز مع الأوقات فيزيد فيه على مرور الأيام فهذا هو الداء العضال « 2 » فإن أمكن استدراكه وتأتى استصلاحه وذلك باستنزاله عنه إن علا وبإرغابه ان دنا وبعتابه ان ساوى وإلّا فآخر الداء العياء الكيّ ومن بلغت به الأعذار إلى غايتها فلا لائمة عليه والمقيم على شقاقه باغ مصروع . وقد قيل : من سل سيف البغي أغمده في رأسه فهذا شرط . وأما المسامحة في الحقوق فلأن الاستيفاء موحش والاستقصاء منفر ومن أراد كل حقه من النفوس المستصعبة بشح أو طمع لم يصل إليه إلّا بالمنافرة والمشاقة ولم يقدر عليه إلّا بالمخاشنة والمشاحة لما استقر في الطباع من مقت من شاقها ونافرها وبغض من شاحها ونازعها كما استقزّ حب من يأسرها وسامحها فكان أليق لأمور المروءة استلطاف النفوس بالمياسرة والمسامحة وتألفها بالمقاربة والمساهلة . قال بعض الحكماء : من عاشر إخوانه بالمسامحة دامت له مودّاتهم . وقال بعض الأدباء : إذا أخذت عفو القلوب زكا ريعك « 3 » وإن استقصيت أكديت . والمسامحة نوعان في عقود

--> ( 1 ) احدى الحسنيين : تثنية حسنى . ( 2 ) الداء العضال : على وزن غراب المرض المشكل الذي يعجز الأطباء . ( 3 ) زكا ريعك : نما زرعك وكثر ربحك .